إخوان الصفاء

290

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فقلت : يا سيدي ، هذه الزّهرة وعطارد قد عملا عملهما . فأمره المأمون أن يفعل ما قال ففعله ، فعلمنا أنه من علاج الطّلّسمات . فما زال به المأمون أياما كثيرة حتى تبرأ من دعوى النبوّة ، ووصف الحيل التي احتالها وعمل بها في الخاتم والقلم ، ثم وهبه المأمون ألف دينار . ثم لقيناه بعد ذلك فإذا هو من أعلم الناس بعلم النجوم . فأما ما قد ذكر في القرآن في مواضع كثيرة من ذكر السحر وتكرير ذكره ، فمن ذلك ما قيل في سورة البقرة قال : « وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » . فإذا كان قد بلغ من قوة السحر وعلمه أن يفرّق بين المرء وزوجه ، فأي شيء بقي بعد هذا ؟ أو هل في ذلك الخبر شك بعد ما نطق به القرآن وعرفنا منه صحته ؟ وقد قال ، عزّ وجلّ ، في سورة المائدة : « وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ » وقال ، عزّ من قائل ، في سورة الأنعام : « وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ » وقال ، عزّ وجلّ ، في سورة الأعراف : « قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بسحره فَما ذا تَأْمُرُونَ ، قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ، وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ، قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ . قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ، قالَ أَلْقُوا ، فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وجاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ » . ألا ترى أن القرآن يستعظم سحرهم ؟ وقال تعالى في هذه السورة : « وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ » وفيها أيضا : « وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ »